كتاب طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد

م/محسن

عضو برونزي
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
249
مستوى التفاعل
60
يتسائل عبد الرحمن الكواكبي (1902 م)
في مقدمة كتابه ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد “عن سبب انحطاط المسلمين ؟ و ما هو الدواء؟
أو ما هو داء الشّرق ؟ وما هو دواءه ؟
وأجاب انه الاستبداد .
ثم تتوالى التساؤلات ، ما هي طبائع الاستبداد؟
وما هي أسباب الاستبداد ؟
ولماذا يكون المستبدُّ شديد الخوف ؟
ولماذا يستولي الجبن على رعية المستبدّ ؟
ومَنْ هم أعوان المستبدّ ؟

تعريف الاستبداد

الاستبدادُ لغةً هو: غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النّصيحة، أو الاستقلال في الرّأي وفي الحقوق المشتركة.
ويُراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصّةً لأنّها أعظم مظاهر أضراره التي جعلتْ الإنسان أشقى ذوي الحياة.
الاستبداد في اصطلاح السّياسيين هو:
تَصَرُّف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة،
وقد تَطرُق مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في مقام كلمة استبداد / كلمات: استعباد، واعتساف، وتسلُّط، وتحكُّم.
وفي مقابلتها كلمات: مساواة، وحسّ مشترك، وتكافؤ، وسلطة عامة.
ويستعملون في مقام صفة مستبدّ كلمات :
جبّار، وطاغية، وحاكم بأمره، وحاكم مطلق.
وفي مقابلة ( حكومة مستبدّة)
كلمات: عادلة، ومسؤولة، ومقيّدة، ودستورية.
ويستعملون في مقام وصف الرّعية المستَبَدّ عليهم كلمات مثل
أسرى، ومستصغرين، وبؤساء، ومستنبتين،
وفي مقابلتها : أحرار، وأباة، وأحياء، وأعزّاء.
هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات،
وأمّا تعريفه بالوصف فهو:
أنّ الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، التي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقَّقَين.
وتفسير ذلك هو كون الحكومة إمّا هي غير مُكلّفة بتطبيق تصرُّفها على شّريعة، أو على أمثلة تقليدية،
أو على إرادة الأمّة، وهذه حالة الحكومات المُطلقة.

أو هي مقيّدة بنوع من ذلك، ولكنّها تملك بنفوذها إبطال قوّة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تُسمّي نفسها بالمقيّدة أو بالجمهورية.
وأشكال الحكومة المستبدّة كثيرة ليس هذا البحث محلُّ تفصيلها. ويكفي هنا الإشارة إلى أنّ صفة الاستبداد، كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة أو الوراثة،

وتشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيَّد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً؛
لأنَّ الاشتراك في الرّأي لا يدفع الاستبداد، وإنَّما قد يعدّله الاختلاف نوعاً، وقد يكون عند الاتّفاق أضرّ من استبداد الفرد.
ويشمل أيضاً الحكومة الدّستورية المُفرَّقة فيها بالكُلِّيَّة قوَّة التشريع عن قوَّة التَّنفيذ وعن قوَّة المراقِبة؛
لأنَّ الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية،
فيكون المُنَفِّذُون مسؤولين لدى المُشَرِّعين، وهؤلاء مسؤولين لدى الأمَّة، تلك الأمَّة التي تعرف أنَّها صاحبة الشّأن كلّه، وتعرف أنْ تراقب وأنْ تتقاضى الحساب.

مراتب الاستبداد :
الاستبداد مراتب وطبقات ودرجات ، أعلاها حكومة الفرد المطلق الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية، المتملك لثروة البلاد ، وهو نار الله في الدنيا وعقابه وبلاءه العظيم .

أسباب الاستبداد

المستبدون يتولاهم المستبد والأحرار يتولاهم الأحرار وهذا صريح معنى ( كما تكونوا يولّ عليكم ) ،
وكأن الاستبداد عقاب رباني ، وأن العقاب من جنس العمل .
الذي من صوره : تحكّم النّفس على العقل، وتحكُّم الأب والزوج على أهل بيته ، وتحكم الأستاذ على تلامذته ،
وتحكم رؤساء الأديان من قساوسة وأحبار ومشايخ ،
وتحكم رؤساء الشركات، ورؤساء الطّبقات من باشوات وبهوات وأفنديات وعُمَد ونحوهم ،
وتحكم الفتوات على أهل الحارات .
تركز القوة في يد المستبدّ

المستبد يتجاوز الحدّ ما لم يرَ حاجزاً من حديد، فلو رأى الظّالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظّلم، كما يقال: الاستعداد للحرب يمنع الحرب.
وتسلح الأفراد والجماعات والقبائل ذو حدين ، قد يتسبب في الحروب الأهلية وعدم الاستقرار ، لكنه وقاية ضد الاستبداد ويمنعه . وعندما أنشئت الجندية وصار للبلاد جيشا عاما يحرص المستبد على قيادته لثبيت أركان الاستبداد .
حب الاستبداد :
الحب لا يعيش من طرف واحد ، ولكي يستمر الحب ويحيا لا بد من الطرفين ، كذلك الاستبداد لا يحيا الا بحب المستبد والمستبد عليهم .
و المستبدّ يحب ُ أنْ تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقاً،
و الرَّعية المستبد عليهم تحب أن تكون كالكلاب التي لا فرق عندها أَطُعِمت أو حُرِمت حتَّى من العظام

أما رعية الأحرار فتحب أنْ تكون كالخيل إنْ خُدِمَت خَدمتْ، وإنْ ضُرِبت شَرست، وترغب أن تكون كالصقور لا تُلَاعب ولا يُستأثر عليها بالصّيد كلِّه .
وحب الاستبداد في الشرق صار كالوباء يصيب جميع الناس حكاما ومحكومين .
الاستبداد والمجد :
المستبدون يعشقون المجد ويفوزون به على رقاب وجثث الرعية ،
فترى بعضهم يحرض على الحروب التوسعية ، بذريعة الجهاد في سبيل الله أو في سبيل الانسانية والحرية والديمقرطية وحقوق الأقليات ،
ومنهم من يقيم المشروعات الكبرى مثل الأهرامات.

كيف نما الاستبداد وترعرع في الشرق :
عوام أهل الشرق يختلط عليهم في أذهانهم الإله المعبود والمستبدون من الحكم، فيتشابه عندهم استحقاق التعظيم، وينزهونهم عن سؤالهم عما يفعلون ولا يرون لهم حقًا في مراقبتهم على أعمالهم، كما أنه ليس لهم حق في مراقبة الله فيما يفعل
ولهذا خلعوا على المستبد صفات الله كولي النعم، والعظيم الشأن، والجليل القدر، وغيرها من الألقاب .
وما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك فيها الله أو تربطه برباط مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من أهل الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله.

الاستبداد وعلم حقوق الانسان
الحاكم المستبد لا يخشى علوم اللغة والأدب، ولا علوم الدين المتعلقة بالآخرة بل هو يستخدم علماء الدين من هذا القبيل لتأييده في استبداده، بسد أفواههم بلقيمات من فتات مائدته،
حتى صرنا نرى ونسمع أن منهم من يجهر ويفخر أنه من علماء السلطان .
و إنما ترتعد فرائص المستبد من الفلسفة العقلية، ودراسة حقوق الأمم، وعلوم السياسة والاجتماع ، والتاريخ المفصل، والقدرة على الخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تنير الدنيا وتثير النفوس على الظالم، وتعرف الإنسان ما هو الإنسان، وما هي حقوقه، وكيف يطلبها، وكيف ينالها، وكيف يحفظها،
فإن المستبد سارق، والعلماء من هذا القبيل يكشفون السرقة.
ولذلك يكون الحاكم المستبد وعلماء حقوق الانسان في صراع دائم، العلماء يحاولون الإنارة، والمستبد يحاول إطفاءها، وكلاهما يحاول كسب عامة الشعب، فالمستبد يخيفهم ليستسلموا، وهؤلاء العلماء ينيرونهم ليقولوا ويفعلوا.
الاستبداد والحرص على الحياة :
فضّل الحسين بن علي بن أبي طالب الموت كريما على حياة الذليل تحت أمرة عبيد الله بن زياد أمير زيد بن معاوية ،

لكن رعايا المستبدين يحرصون على الحياة مهما كانت أثمانها ومهما كانت أوصافها .
الاستبداد و الطاعة في الاسلام :

هل الطاعة المأمور بها في الاسلام أدت وآلت الى الاستبداد ؟
إنّ الله أمر المسلمين بطاعة اولي الأمر وبطاعة الأزواج ، لكنه لم يمنع او ينهى عن الشكاية والسؤال وطلب الحقوق .
فلم يمنع على سبيل المثال ، من شكاية أهل العراق أميرهم سعد بن أبي وقاص الى عمر بن الخطاب ،
ولم يمنع سؤال زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من سؤاله النفقة بعد الفتوحات .
كذلك مع ابن عمر حين خرج تحت إمرة خالد بن الوليد فأمرهم ان يقتل كل رجل أسيره فلم يطيعه ابن عمر .
كذلك لم تمنع آية الطاعة في كتاب الله من تنازع الحاكم والمحكومين فقال (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) النساء 59 .
فالطاعة المطلقة أو العمياء لا وجود لها في الاسلام .
بل أن الذي قضى بالطاعة هو نفسه الذي أمر بنصح الحكام قال النبي صلى الله عليه وسلم “الدين النصيحة” قالوا ا: لمن؟ قال: ” لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم “.

وقال الله عز وجل {إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91]
والذي فرض طاعة أولي الأمر هو الذي قال (من أعظم الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند سلطان جائرٍ” رواه أبو داود،
والترمذي، وقال: حديث حسنٌ. وصححه الألباني عند أبي داود .

الاستبداد والشورى الصورية
يرسخ الله عز وجل مبدأ الشورى في ادارة البلاد في كتابه الحكيم حيث يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) آل عمران 159
لكن المستبدين وعلمائهم في الدين يفرغون مبدأ الشورى الاسلامي من محتواه حينما يقررون أن الشورى غير الزامية للحاكم وأن رأي أهل الشورى استرشادي لا إلزامي ،
ويتناسون أو يتغافلون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رأيه يوم أحد ان يبقى في المدينة ويتحصن بها لكنه رضخ لرأي جماعة من الشباب في الخروج لملاقاة جيش الكفار .
 

yasma

Moderator
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
1,984
مستوى التفاعل
102
 
أعلى أسفل
}