تفسير سورة البقرة

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
_ak_54f60c9275b12.jpg

نبدأ بسم الله الرحمن الرحيم بعرض تفسير سورة البقرة ، على مشاركات ، كل مشاركة تتضمن تفسير ثلاث أو خمس آيات .
في نزول السورة وفضلها :
هي سورة مدنية نزلت على فترات و أول ما نزل بالمدينة ،الاّ قوله تعالى (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ" [البقرة: 281]

فَإِنَّهُ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، وَنَزَلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى.
عدد آياتها 286 آية ، وهي سورة فضلها عظيم ، فيها أعظم آية في القرآن آية الكرسي ، و لأواخرها فضل كبير ( آمن الرسول ) الآيات ،
و تضمنت أمورا عظيمة وقصص بليغة ، ففيها قصة بقرة بني اسرائيل التي بعد ذبحها ضرب ببعضها مقتولا في بني اسرائيل فأحيى باذن الله ،
وقصة موسى عليه السلام مع فرعون وبني اسرائيل ، وقصة عزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ، وقصة داود عليه السلام وقتله جالوت ،
وفيها بناء الكعبة على أيدي ابراهيم وابنه عليهما الصلاة والسلام ،
وفيها أحكام الصيام وذكر رمضان ، وأحكام وشعائر الحج ، والطلاق والعدّة والرّضاع وأحكام الخمر والقمار وكتابة الديّن والوصية والرهن ، وتحريم الدم ولحم الخنزير والميتة ، وفيها تحويل القبلة للمسجد الحرام . وأحكام القصاص وفرض القتال والسّحر ، وغيره .
- أحاديث صحيحة في فضلها :
1- عن أسيد بن حضير رضي الله عنه قال : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس ،فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس ،ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه فلما اجْتَرَّهُ رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها،

فلما أصبح حدّث النبي صلى الله عليه و سلم فقال ( اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير ) ،
قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا فرفعت رأسي فانصرفت إليه فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها .
قال ( وتدري ما ذاك ) ؟ .

قال : لا .
قال ( تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم ) .
"فجالت الفرس": أي اضطربت .
2- وعن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ، اقرءوا الزهراوين : البقرة و آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجّان عن أصحابهما ، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة و تركها حسرة و لا تستطيعها البطلة . ( رواه مسلم )
(الزهراوين : واحدتهما زَهْرَاء . والْبَطَلَةَ : السَّحَرَةُ ، من الباطل)
3- وعنه صلى الله عليه وسلم ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، إن الشيطان ينفر من البيت الذى يقرأ فيه سورة البقرة )

( رواه مسلم عن أبي هريرة ، والترمذي وقال حسن صحيح)
اقرأ ايضا تفسير سورة الاخلاص

تفسير الوضاح
 
التعديل الأخير:

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
- الآية رقم (1) (الم)
- تقرأ ( ألف، لام ، ميم ) .
- اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْحُرُوفِ الَّتِي فِي أوائل السور،
فَقَالَ بعض التابعين : هِيَ سِرُّ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ، وَلِلَّهِ فِي كُلِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ سِرٌّ.
فَهِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي انْفَرَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا، وَلَكِنْ نُؤْمِنُ بِهَا وَنَقْرَأُ كَمَا جَاءَتْ..
- وقال الشيخ محمد الشعراوي : بدأت سورة البقرة بتلك الحروف ،
وكذلك سور أخرى مثل آل عمران بدأت ب ( الم ) وفيه " المر" و" المص " و"الر" و "كهيعص" و "طه" و"يس" و" ن" و "حم "،
والسؤال عن معاني تلك الحروف هو سؤال خطأ ، فلا يُسْأل عن معانيها فهي حروف مباني ، تبنى منها الكلمة فتؤدي معناها ، فلا معنى لها في ذاتها الا أدائها للصوت ،
فالحروف تنقسم الى قمسين : حرف مبنى وحرف معني ،
فتكون (الكاف) حرف مبنى في كلمة مثل ( كتب ) فهي مبنية من ثلاث حروف ، الكاف والتاء والباء،
وحرف معنى ،كما في قولنا (محمد كزيد ) ومعناها التشبيه .
و ( الباء ) كما في قولنا ( كتب بالقلم) فالباء هنا تفيد معنى الاستعانة أي كتب بواسطة القلم ، مقابل الباء في ( كتب) فلا معنى لها بمفردها وانما المعنى من تكوينها مع الكاف والتاء ، إفادة فعل الكتابة .
ولكن السؤال يكون : لماذا بدأ الله بتلك الحروف ؟.
والجواب ، أنه اعجاز يثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ،
فالأمي يعرف مسميات الحروف وينطقها ، ولكنه لا يعرف أسماء الحروف فعندما يأتي محمد صلى الله عليه وسلم ويقول ألف لام ميم ونطقها ساكنة ويقف عند كل حرف ، و هو أمي لا يعرف أسماء الحروف ، فمن علّمه ؟ لا بد أنه توقيفي وأنه قالها كما سمعها من الحق بأذنيه ، وأنه لم ينطقها كما في قوله تعالى ( ألم نشرح ) .

الآية رقم 2 : ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذلِكَ الْكِتابُ): الْمَعْنَى هَذَا الْكِتَابُ.
وَ" ذلِكَ " قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى حَاضِرٍ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى غَائِبٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ جَلَّ وَعَزَّ:" ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ "
- وَاخْتُلِفَ فِي المقصود (الكتاب) ذَلِكَ الْغَائِبِ عَلَى أقوال منها:
قِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كِلَيْهِمَا .وَقِيلَ : إِشَارَةٌ إِلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
والصحيح هنا ، كما قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْمَعْنَى هَذَا الْقُرْآنُ .
ودليله أن الله سمّى الله القرآن "الكتاب" في مواضع كثيرة منها (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) آل عمران
و (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ) النساء .وقوله ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) الحجر .
و( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ) الكهف ،وغيرها كثير .
- وَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ مِنْ كَتَبَ يَكْتُبُ إِذَا جَمَعَ، وَمِنْهُ قِيلَ: كَتِيبَةٌ، لِاجْتِمَاعِهَا. وَتَكَتَّبَتِ الْخَيْلُ صَارَتْ كَتَائِبَ. وَالْجَمْعُ كُتَبٌ.
ومعنى َالْكِتَابُ هنا: هُوَ خَطُّ الْكَاتِبِ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ مَجْمُوعَةً أَوْ مُتَفَرَّقَةً، وَسُمِّيَ كِتَابًا وَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا،
وَقد يكون معنى الْكِتَابُ: الْفَرْضُ ، وَالْحُكْمُ ، وَالْقَدَرُ .
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ( لَا رَيْبَ ) نَفْيٌ عَامٌّ، وَلِذَلِكَ نُصِبَ الرَّيْبُ بِهِ.
وَفِي الرَّيْبِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: أَحَدُهَا، الشَّكُّ، وَثَانِيهَا، التُّهَمَةُ، وثالثها: الحاجة .
فَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى لَا شَكٌّ فِيهِ وَلَا ارْتِيَابٌ ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ فِي ذَاتِهِ حَقٌّ وَأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا مُحْدَثٌ ، وَإِنْ وَقَعَ رَيْبٌ لِلْكُفَّارِ .
وَقِيلَ : هُوَ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ، أَيْ لَا تَرْتَابُوا .
وقال الرازي :الرَّيْبُ قَرِيبٌ مِنَ الشَّكِّ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ، كَأَنَّهُ ظَنُّ سُوءٍ تَقُولُ رَابَنِي أَمْرُ فُلَانٍ إِذَا ظَنَنْتَ بِهِ سوء، وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)
- وَالْهُدَى :فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ الرُّشْدُ وَالْبَيَانُ ، والنَّهَار . أَيْ فِيهِ كَشْفٌ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَرُشْدٌ وَزِيَادَةُ بَيَانٍ وَهُدًى.
والْهُدَى هُدَيَانِ: هُدَى دَلَالَةٍ، وَهُوَ الَّذِي تَقْدِرُ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ " [الرعد: 7].
فَأَثْبَتَ لَهُمُ الْهُدَى الَّذِي مَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ وَالدَّعْوَةُ وَالتَّنْبِيهُ،
وَتَفَرَّدَ هُوَ سُبْحَانَهُ بِالْهُدَى الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْيِيدُ وَالتَّوْفِيقُ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" [القصص: 56] فالهدى على هذا يجئ بِمَعْنَى خَلْقِ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ .:" وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ" [فاطر: 8]
- (التَّقْوَى ) وقى الشيء وقاية أي صانه ، و"المتقين" أي الذين حفظوا أنفسهم وستروها من كل أذى .
وَالْمُتَّقِي هُوَ الَّذِي يَتَّقِي بِصَالِحِ عَمَلِهِ وَخَالِصِ دُعَائِهِ عَذَابَ اللَّهِ تَعَالَى، مَأْخُوذٌ مِنَ اتِّقَاءِ الْمَكْرُوهِ بِمَا تَجْعَلُهُ حَاجِزًا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ .
قال ابن كثير: وخصّت الهداية للمتَّقين. كما قال: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت: 44]. { وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا } [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار.
_________________________________________________
الآية رقم 3: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ )

- قوله (الذين) صفة للمتقين .
عن ابن عباس، { يُؤْمِنُونَ } يصدقون. و عن الربيع بن أنس: { يُؤْمِنُونَ } يخشون.
و الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى: { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [التوبة: 61]، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } [يوسف: 17]،
وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال؛ كقوله: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } [الإنشقاق: 25، والتين: 6]،
فأما إذا استعمل "مطلقًا " فهو الإيمان الشرعي المطلوب ولا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملا.
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
- ومنهم من فسّره بالخشية، لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } [الملك: 12]،
- معنى (الغيب) قال القرطبي : الْغَيْبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كُلُّ مَا غَابَ عَنْكَ .
وعن أبي العالية،وقتادة بن دعامة في قوله: { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله.
وقال زيد بن أسلم: أي بالقدر.
- قوله تعالى { ويقيمون الصلاة }
قال ابن الجوزي : الصلاة في" اللغة" :الدعاء . وفي" الشريعة": أفعال وأقوال على صفات مخصوصة،
قال مقاتل : أراد بها هاهنا الصلوات الخمس . وَقِيلَ: الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ مَعًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ
وفي معنى إقامتها ثلاثة أقوال :
أحدها: أنه تمام فعلها على الوجه المأمور به .
والثاني: أنه المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها .
- والثالث :إدامتها والعرب تقول في الشيء الراتب قائم وفلان يقيم أرزاق الجند .
قلت والصلاة تحمل معنى الصلة والوصل بين المصلي والمصلى له ، لذلك يقال للمصلي حينئذ" أقام الصلاة " )
- وَالصَّلَاةُ: الْعِبَادَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ" [الأنفال: 35] الْآيَةَ، أَيْ عِبَادَتُهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ)
- رَزَقْنَاهُمْ: أي أَعْطَيْنَاهُمْ ،
وَالرِّزْقُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (مَا انتفع بِهِ) حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا،
خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْحَرَامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَرْزُقُ الْحَرَامَ وَإِنَّمَا يَرْزُقُ الْحَلَالَ، وَالرِّزْقُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْمِلْكِ.
و الرِّزْقُ مَصْدَرُ رَزَقَ يَرْزُقُ رَزْقًا وَ رِزْقًا . وَجَمْعُهُ أَرْزَاقٌ، وَالرِّزْقُ: الْعَطَاءُ.
و" يُنْفِقُونَ" أي يُخْرِجُونَ.
وَالْإِنْفَاقُ: إِخْرَاجُ الْمَالِ مِنَ الْيَدِ، وَمِنْهُ نَفَقَ الْبَيْعُ: أَيْ خَرَجَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ إِلَى الْمُشْتَرِي.
وَنَفَقَتِ الدَّابَّةُ: خَرَجَتْ رُوحُهَا، وَمِنْهُ الْمُنَافِقُ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ أَوْ يَخْرُجُ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ.
وَنَفَقَ الزَّادُ: فَنِيَ وَأَنْفَقَهُ صَاحِبُهُ. وَأَنْفَقَ الْقَوْمُ: فَنِيَ زَادُهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ " [الاسراء: 100].
و الْمُرَادِ بِالنَّفَقَةِ يعمّ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ و صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ وكل مايلزم المرء من نفقة الأهل وغيرها..
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

يضيف الى صفات المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب واقامة الصلاة وايتاء الزكاة أنهم يصدقونك ويتبعون بما في القرآن وبما جاء من قبله من المرسلين لايفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من عند ربهم .
وقيل : المراد من هذه الآية مؤمنوا أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وفيه نزلت ، والآية الأولى نزلت في مؤمني العرب .
- إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُمْكِنُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ ما أنزل الله مَعَ تَنَافِي أَحْكَامِهَا ؟
قِيلَ لَهُ فِيهِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِيمَانَ المراد ، بِأَنَّ جَمِيعَهَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْإِيمَانَ بِمَا لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا .
- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)
أَيْ وَبِالْبَعْثِ وَالنَّشْرِ هُمْ عَالِمُونَ.
وَالْيَقِينُ: الْعِلْمُ دُونَ الشَّكِّ .
- قال ابن الجوزي :
الآخرة هي اسم لما بعد الدنيا ، وسميت آخرة لأن الدنيا قد تقدمتها وقيل سميت آخرة لأنها نهاية الأمر .
و{ يوقنون } اليقين ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر .
________________________
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

- قوله تعالى ( أُولَئِكَ) .
"أولى" و "ألاء": اسم يشار به إلى الجمع ويدخل عليهما حرف التنبيه الهاء ، تقول هؤلاءِ .
ويَدخل عليه الكاف للخطاب ، تقول "أُولئك" و" أُلاك" .
-قوله ( "الْمُفْلِحُونَ")
المفلح الذي أدرك المطلوب ، ونجا من الشر المرهوب .
وَالْفَلْحُ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ . فَكَأَنَّ الْمُفْلِحَ قَدْ قَطَعَ الْمَصَاعِبَ حَتَّى نَالَ مَطْلُوبَهُ .
وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَوْزِ وَالْبَقَاءِ، وَهُوَ أَصْلُهُ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِاِمْرَأَتِهِ: اسْتَفْلِحِي بِأَمْرِكِ، مَعْنَاهُ فُوزِي بِأَمْرِكِ .
_________________________________________________

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)
- قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.. لَا يُؤْمِنُونَ ) ذكر الطبري في تفسيرها عن الربيع بن أنس:" أنّ الله لمّا أخبرَ عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون، وأن الإنذارَ غيرُ نافعهم، ثم كانَ من الكُفّار من قد نَفَعه الله بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إيّاه، لإيمانه بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة ،
لم يَجُز أن تكون الآية نزلت إلا في خاصٍّ من الكفار،
وإذ كان ذلك كذلك - وكانت قادةُ الأحزاب لا شك أنَّهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه، حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ - عُلم أنهم مِمّن عنَى الله جل ثناؤه بهذه الآية ".
- وَأَصْلُ الْكُفْرِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ اللَّيْلُ كَافِرًا، لِأَنَّهُ يُغَطِّي كل شي بسواده .
وَالْكَافِرُ: الزَّارِعُ، وَالْجَمْعُ كُفَّارٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ " [الحديد: 20]. يعني الزراع لأنهم يغطون الحَبّ.
وَيُقَالُ الْكُفُورُ: الْقُرَى. لأنها بعدت عن الناس ولا يمر بها أحد .
- لَمَّا ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَحْوَالَهُمْ ، ذَكَرَ الْكَافِرِينَ وَمَآلَهُمْ.
وَالْكُفْرُ ضِدُّ الْإِيمَانِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى جُحُودِ النِّعْمَةِ وَالْإِحْسَانِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النِّسَاءِ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ: (وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)
قِيلَ: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. قَالَ: (بِكُفْرِهِنَّ)،
قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟. قَالَ: ( يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ)
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَأَنْذَرْتَهُمْ). الْإِنْذَارُ الْإِبْلَاغُ وَالْإِعْلَامُ، وَلَا يَكَادُ يَكُونُ إِلَّا فِي تَخْوِيفٍ يَتَّسِعُ زَمَانُهُ لِلِاحْتِرَازِ،
فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ زَمَانُهُ لِلِاحْتِرَازِ كَانَ إِشْعَارًا وَلَمْ يَكُنْ إِنْذَارًا .
_________________________________________
(خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (7)
...
- قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَتَمَ اللَّهُ على قلوبهم)
وَالْخَتْمُ معناه التَّغْطِيَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاسْتِيثَاقُ مِنْهُ حَتَّى لَا يدخله شي،
وَمِنْهُ: خَتَمَ الْكِتَابَ والرسائلَ وَالْبَابَ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، حَتَّى لَا يُوصَلَ إِلَى مَا فِيهِ، وَلَا يُوضَعَ فِيهِ غَيْرُ مَا فِيهِ.
والآية مثل قوله تعالى : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) سورة الجاثية .
-حيث يبَيَّنَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَانِعَ لَغلاة الكافرين ورؤوس الضلاب ، مِنَ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ:" خَتَمَ اللَّهُ" وهو مُجَازَاةً لِكُفْرِهِمْ، وعقابا لهم ،
كَمَا قَالَ تَعَالَى:" بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ" [النساء: 155].
وقوله تعالى : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً " المائدة 13 .
و الْخَتْمُ يَكُونُ مَحْسُوسًا وَمَعْنًى، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
و يكون بمعنى : عَدَمُ الْوَعْيِ عَنِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ مَفْهُومَ مُخَاطَبَاتِهِ وَالْفِكْرَ فِي آيَاتِهِ.
وَالختم عَلَى السَّمْعِ : عَدَمُ فَهْمِهِمْ لِلْقُرْآنِ إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ أَوْ دُعُوا إِلَى وَحْدَانِيَّتِهِ.
وَعَلَى الْأَبْصَارِ: عَدَمُ هِدَايَتِهَا لِلنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَعَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ
و فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَدَلَّ دَلِيلٍ وَأَوْضَحَ سَبِيلٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ،
- وزعم البعض : إِنَّ مَعْنَى الْخَتْمِ وَالطَّبْعِ وَالْغِشَاوَةِ هو التَّسْمِيَةُ وَالْحُكْمُ وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لَا الْفِعْلُ.
والجواب عليهم : بل الختم هُوَ مَعْنًى يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ يَمْنَعُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ،
دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ" [الحجر: 12].
وَقَالَ:" وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ " [الانعام: 25]. أَيْ لِئَلَّا يَفْقَهُوهُ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ.
قوله (عَلى قُلُوبِهِمْ)
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْقَلْبِ عَلَى جَمِيعِ الْجَوَارِحِ. وَالْقَلْبُ لِلْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ.
وخالص كل شي وَأَشْرَفُهُ قَلْبُهُ، فَالْقَلْبُ مَوْضِعُ الْفِكْرِ.
وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ قَلَبْتُ الشَّيْءَ أَقْلِبُهُ قَلْبًا إِذَا رَدَدْتُهُ عَلَى بِدَاءَتِهِ. وَقَلَبْتُ الْإِنَاءَ: رَدَدْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ.
و قِيلَ: مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ ... فَاحْذَرْ عَلَى القلب من قلب وتحويل
- قال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : (اللَّهُمَّ يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ).
- الْجَوَارِحُ وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةً لِلْقَلْبِ فَقَدْ يَتَأَثَّرُ الْقَلْبُ وَإِنْ كَانَ رَئِيسَهَا وَمَلِكَهَا بِأَعْمَالِهَا لِلِارْتِبَاطِ الَّذِي بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ،
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ فَتُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ فَيَسْوَدُّ قَلْبُهُ)
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
(إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَسْوَدُّ قَلْبُهُ فَإِنْ هُوَ تَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ). قَالَ: وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلُهُ:" كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ" [المطففين: 14].
وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَتْمَ يَكُونُ حَقِيقِيًّا .
- و الْقَلْبُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفُؤَادِ وَالصَّدْرِ،
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ " [الفرقان: 32] وقال:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ " [الشرح: 1]
يَعْنِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَلْبَكَ.
وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْعَقْلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ" [ق: 37]
أَيْ عَقْلٌ، لِأَنَّ الْقَلْبَ مَحَلُّ الْعَقْلِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ.
وَالْفُؤَادُ مَحَلُّ الْقَلْبِ، وَالصَّدْرُ مَحَلُّ الْفُؤَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وقوله تعالى { وعلى سمعهم } : يريد على أسماعهم فذكره بلفظ التوحيد ومعناه الجمع فاكتفى بالواحد عن الجميع ونظيره قوله تعالى { ثم يخرجكم طفلا } الحج 5
قوله (ولهم عَذابٌ عَظِيمٌ)
وَالْعَذَابُ مِثْلُ الضَّرْبِ بِالسَّوْطِ وَالْحَرْقِ بِالنَّارِ وَالْقَطْعِ بِالْحَدِيدِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْلِمُ الْإِنْسَانَ.
وَفِي التَّنْزِيلِ:" وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [النور: 2] .
وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَبْسِ وَالْمَنْعِ .
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

- لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وَتَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَوَّلًا، وَبَدَأَ بِهِمْ لِشَرَفِهِمْ وَفَضْلِهِمْ، ذَكَرَ الْكَافِرِينَ فِي مُقَابَلَتِهِمْ، إِذِ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ طَرَفَانِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ بَعْدَهُمْ وَأَلْحَقَهُمْ بِالْكَافِرِينَ قَبْلَهُمْ، لِنَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ الْحَقَّ:" وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ".
- عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: نَزَلَتْ أَرْبَعُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَاثْنَتَانِ فِي نَعْتِ الْكَافِرِينَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ.
- اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي لَفْظِ " النَّاسِ" ،
فَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ، جَمْعُ إِنْسَانٍ وَإِنْسَانَةٍ ، وَتَصْغِيرُهُ نُوَيْسٌ. فَالنَّاسُ مِنَ النَّوْسِ وَهُوَ الْحَرَكَةُ .
وقيل: أصله من نسي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسِيَ آدَمُ عَهْدَ اللَّهِ فَسُمِّيَ إِنْسَانًا.

- وفي قوله (مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) رَدٌّ عَلَى الْكَرَّامِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ بِالْقَلْبِ،
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا" [المائدة: 85]، وَلَمْ يَقُلْ: بِمَا قَالُوا وَأَضْمَرُوا،
وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مني دمائهم وَأَمْوَالَهُمْ ).
وَهَذَا مِنْ الكرامية قُصُورٌ وَجُمُودٌ، وَتَرْكُ نَظَرٍ لِمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ مِنَ الْعَمَلِ مَعَ الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ،
فَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَصْحَابُهُ هُوَ النِّفَاقُ وَعَيْنُ الشِّقَاقِ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلَانِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ.
(قلت : يكفي الرد على الكرّامية بسورة من القرآن سميت بالمنافقين ، قال الله فيها ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ )،
وقوله (الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) المائدة 41
_________
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9)
أي الذين يقولون أنهم آمنوا .
- ( خدَع ) الخَدْعُ إظهار خلاف ما تُخْفيه .
والخَدْع إِخفاءُ الشيء وبه سمي المِخْدَعُ وهو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير
وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَعْرِفُوا اللَّهَ إِذْ لَوْ عَرَفُوهُ لَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يُخْدَعُ .
- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما يَشْعُرُونَ) أي وما يفطنون لأمرهم، فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا بِخَدْعِهِمْ وَفَازُوا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْآخِرَةِ يُقَالُ لَهُمُ:" ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً" [الحديد: 13] .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: شَعُرْتُ بِالشَّيْءِ أَيْ فَطِنْتُ لَهُ .
___________________________________________________
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
أي أن في قلوب هؤلاء المنافقين مرض من الشك والريبة فزادهم الله شَكًّا وَنِفَاقًا جَزَاءً عَلَى كذبهم وخداعهم .
و الْمَرَضُ : كُلُّ مَا خَرَجَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ مِنْ عِلَّةٍ أَوْ نِفَاقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي أَمْرٍ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ: عِلَلُ الْقُلُوبِ مِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، كَمَا أَنَّ عِلَلَ الْجَوَارِحِ مِنْ مَرَضِ البدن.
(قلت. ) قد توعد الله في هذه الآية المنافقين فقال ( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) كما توعد الذين كفروا في الآية السابعة فقال (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ )،
وهذا كمثل قوله تعالى في سورة النساء ( إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) .
__________________________________
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)
.

- كيف يفسد المنافقون في الأرض ؟ وما هو الفساد ؟
الفساد :هو خروج الشيء عن كونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح .
وكيف يكون الفساد في الأرض ؟ الجواب في كتاب الله وقوله (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) سورة براءة ،
فعلامة المنافق الدعوة الى ارتكاب المعاصي والفواحش مثل عري النساء وشرب الخمر ، والنهي عن الصلاة والأعمال الصالحة وحجاب النساء وغيرها .
قال ابن كثير : من الفساد في الأرض، اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [الأنفال: 73] ، فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين .
- لفظ " إِذا" اسْمٌ يَدُلُّ عَلَى زَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَلَمْ تُسْتَعْمَلْ إلا مضافة إلى جُمْلَةٍ، تَقُولُ: أَجِيئُكَ إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ. فَهِيَ ظَرْفٌ وَفِيهَا مَعْنَى الْمُجَازَاةِ.
وَجَزَاءُ الشَّرْطِ ثَلَاثَةٌ: الْفِعْلُ وَالْفَاءُ وَإِذَا،
فَالْفِعْلُ قَوْلُكَ: "إِنْ تَأْتِنِي آتِكَ" . وَالْفَاءُ: "إِنْ تَأْتِنِي فَأَنَا أُحْسِنُ إِلَيْكَ" .
وَ(إِذَا) كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ" [الروم: 36].
- قولهم { إنما نحن مصلحون }
يزعم المنافقون أن أعمالهم وأفعالهم هي الصالحة الصحيحة وغيرها هي التطرف والافساد .
- قوله تعالى { ألا إنهم هم المفسدون }
( ألاَ ) كلمة يبتدأ بها ينبه بها المخاطب تدل على صحة ما بعدها وهي تأكيد للكلام .
- وفي قوله تعالى { ولكن لا يشعرون } قولان :
أحدهما ، لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم .
والثاني ، لا يشعرون أن ما فعلوه فساد لا صلاح .
 

yasma

Moderator
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
853
مستوى التفاعل
24
[bbvideo]https://youtu.be/JKeWVdYiIHw[/bbvideo]
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
جزاك الله يا ياسمة خير الجزاء
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)
- قوله تعالى { وإذا قيل لهم آمنوا }
في المقول لهم ، قولان : أحدهما أنهم إليهود ، قاله ابن عباس ومقاتل .
والثاني المنافقون ، قاله مجاهد وابن زيد .
وفي القائلين لهم ، قولان : أحدهما انهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس ولم يعين أحدا من الصحابة .
والثاني أنهم معينون وهم سعد بن معاذ وأبو لبابة وأسيد، ذكره مقاتل .
وفي الإيمان الذي دعوا إليه ، قولان : أحدهما أنه التصديق بالنبي وهو قول من قال هم اليهود .
والثاني أنه العمل بمقتضى ما أظهروه وهو قول من قال هم المنافقون .
وقيل : أَيْ إِيمَانًا مَقْرُونًا بِالْإِخْلَاصِ .
وفي المراد بالناس ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها جميع الصحابة قاله ابن عباس
والثاني عبد الله بن سلام ومن أسلم معه من اليهود قاله مقاتل
والثالث معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وجماعة من وجوه الأنصار .
- قوله تعالى (السُّفَهَاءُ )
السَّفَهُ والسَّفاهُ والسَّفاهة :خِفَّةُ الحِلْم ، وقيل نقيض الحِلْم وأَصله الخفة والحركة، وقيل الجهل وهو قريب بعضه من بعض .
قال الله تعالى (إلاّ من سَفِهَ نَفْسَه )
قال الزجّاج في معناه : إلا مَنْ جَهِل نَفْسَه أَي لم يُفَكِّرْ في نفسه .
و سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكِبْر فقال ( الكِبْرُ أَن تَسْفَهَ الحَقَّ وتَغْمِطَ الناسَ )
فجعل سَفِهَ واقعاً معناه أن تَجْهَلَ الحق فلا تراه حقّاً .
قال الله تعالى ( كما آمنَ السُّفَهاء ) ، أَي الجُهّال
والسفيه الجاهل ، والأُنثى سفيهة والجمع سَفِيهات ، وسَفَّهَهُ نسبه إلى السَّفَه ( لسان العرب)
______________
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)
- تكمل الايات الحديث عن المنافقين .
قوله ( خَلَوْا ) هُنَا بِمَعْنَى ذَهَبُوا وَانْصَرَفُوا،
وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَإِذَا خَلَوْا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ .
جاء من "خَلا المكانُ "،والشيءُ يَخْلُو خُلُوّاً وخَلاءً وأَخْلَى إِذا لم يكن فيه أَحد ولا شيء فيه وهو خالدٍ .
ومنه الخَلاءُ وهو المكان في الأرض يقضي فيه الناس حاجتهم .
- وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالشَّيَاطِينِ هُنَا،
قيل رُؤَسَاءُ الْكُفْرِ. و قيل شَيَاطِينُ الْجِنِّ . أو الْكُهَّانُ .
- (قالوا إنا معكم): أي إنا معكم على دينكم، وظُهراؤكم على من خالفكُم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم،(إنما نحن مستهزِئون) بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه.
- وقيل (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) أَيْ مُكَذِّبُونَ بِمَا نُدْعَى إِلَيْهِ. وَقِيلَ: سَاخِرُونَ. وَالْهُزْءُ: السُّخْرِيَةُ وَاللَّعِبُ .
فإن قال لنا قائل: أرأيتَ قولَه (وإذا خلوا إلى شياطينهم) ؟ فكيف قيل: (خلوا إلى شياطينهم) ، ولم يقل خَلَوْا بشياطينهم؟ فقد علمتَ أنّ الجاريَ بين الناس في كلامهم:"خلوتُ بفلان" أكثر وأفشَى من:"خلوتُ إلى فلان.
الجواب :
قالوا المعنى ( اذا خلوا مع شياطينهم) ، إذ كانت حروف الصِّفات يُعاقِبُ بعضُها بعضًا ، كما قال الله مخبرًا عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) [سورة الصف: 14] ، يريد: (مع الله) .
وقيل : أنّ بعض نحويي أهل الكوفة، فإنه كان يتأوَّل أن ذلك بمعنى: وإذا لَقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا صَرفوا خَلاءهم إلى شياطينهم - فيزعم أن الجالب لِـ "إلى"، المعنى الذي دلّ عليه الكلامُ: من انصرافِ المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم، لا قوله"خَلَوْا". وعلى هذا التأويل لا يصلح في موضع"إلى" غيرُها، لتغير الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها.
وقال الطبري :هذا القول عندي أولى بالصواب، لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها. ولِـ "إلى" في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها.
________________________________________

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
- اختلف العلماء في المراد باستهزاء الله بهم على أقوال :
أحدها أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون فيغلق فيضحك منهم المؤمنون روي عن ابن عباس
والثاني أنه إذا كان يوم القيامة جمدت النار لهم كما تجمد الإهالة في القدر فيمشون فتنخسف بهم روي عن الحسن البصري
والثالث أن الاستهزاء بهم إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فيبقون في الظلمة فيقال لهم { ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } الحديد 13 قاله مقاتل
والرابع :أن استهزاؤه استدراجه إياهم
والخامس :أنه إيقاع استهزائهم بهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم
والسادس : أن الاستهزاء بهم أن يقال لأحدهم في النار وهو في غاية الذل { ذق إنك أنت العزيز الكريم } الدخان 49 .
أو قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ "[المطففين: 34] " هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ" [المطففين: 36].
- قوله تعالى { وَيَمُدُّهُمْ }
- مَدَدْتُ لَهُ إِذَا تَرَكْتُهُ، وَأَمْدَدْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ.
- مَدَدْتُ، فِيمَا كَانَتْ زِيَادَتُهُ مِنْ مِثْلِهِ، وَفِي التَّنْزِيلِ:" وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ" [لقمان: 27].
وَأَمْدَدْتُ، فِيمَا كَانَتْ زِيَادَتُهُ مِنْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِكَ: أَمْدَدْتُ الْجَيْشَ بِمَدَدٍ، وَمِنْهُ:" يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ" [آل عمران: 125].
و فيه أربعة أقوال :
أحدها :يمكّن لهم، قاله ابن مسعود
والثاني :يملي لهم، قاله ابن عباس
والثالث : يزيدهم ،قاله مجاهد
والرابع : يمهلهم ،قاله الزجاج
قوله ( فِي طُغْيَانِهِمْ )
- والطغيان : الزيادة على القدر ، والخروج عن حيز الاعتدال في الكثرة ، يقال طغى البحر إذا هاجت أمواجه .
وطغى السيل إذا جاء بماء كثير .
وفي المراد بطغيانهم قولان أحدهما : أنه كفرهم قاله الجمهور
والثاني أنه عتوهم وتكبرهم .
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ( يَعْمَهُونَ ) يَعْمُونَ ، يتحيرون ، أَيْ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ فِي الْكُفْرِ.
يقال رجل عمه وعامه أي متحير . وَالْعَمَى فِي الْعَيْنِ، وَالْعَمَهُ فِي الْقَلْبِ .
______________________
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
- وَاشْتَرَوْا: مِنَ الشِّرَاءِ. قالوا الشراء يعني الاستبدال والمبادلة .
قال الرازي : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَمَا كَانُوا عَلَى هُدًى؟
قُلْنَا :جُعِلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ كَأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَإِذَا تَرَكُوهُ وَمَالُوا إِلَى الضَّلَالَةِ فَقَدِ اسْتَبْدَلُوهَا بِهِ.اهـ
وَقيل :الشِّرَاءُ هُنَا مُسْتَعَارٌ للبلاغة . وَالْمَعْنَى اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، كما قال:" فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى " [فصلت: 17] ،
فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشِّرَاءِ، لِأَنَّ الشِّرَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يُحِبُّهُ مُشْتَرِيهِ.
- وفي كيفية استبدالهم الضلالة بالهدى ثلاثة أقوال:
أحدها أنهم آمنوا ثم كفروا .
والثاني أن اليهود آمنوا بالنبي قبل مبعثه فلما بعث كفروا به .
والثالث ان الكفار لما بلغهم ما جاء به النبي من الهدى فردوه واختاروا الضلال كانو كمن أبدل شيئا بشئ .
- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) أَسْنَدَ تَعَالَى الرِّبْحَ إِلَى التِّجَارَةِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ: رَبِحَ بَيْعُكَ، وَخَسِرَتْ صَفْقَتُكَ،
والتقدير : أَيْ فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ.
وهذا يفيد انه خسروا في هذه المبادلة وهذا البيع .
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)
- قوله تعالى ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ )
( الأمثال في القرآن)
الْمَثَلُ وَالْمِثْلُ وَالْمَثِيلُ وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُ الشَّبِيهُ.
والشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ :المِثْلُ ،والجمع أَشْباهٌ ، وَالْمُتَمَاثِلَانِ: الْمُتَشَابِهَانِ،
وَالْمَثَلُ : ما يضرب ويوضع لبيان النظائر في الاحوال . والجمع: أَمْثالٌ .
قالوا ومَثَلُ الشيء صفته ، و مَثَل الجنة يعني صفتها .
ومنه "التماثيل" و" تمثَّل لها".
والمَثَلُ قد يكون بمعنى الحُجْة والآية .وقد يكون بمعنى الشبيه والنظير كقوله تعالى " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"
قالوا : من أعظم عِلْم القرآن هو عِلْم أمثاله .
- وقال الرازي (المتوفّى عام 606هـ) : "إن المقصود من ضرب الاَمثال انّها توَثر في القلوب ما لا يؤَثره وصف الشيء في نفسه،
وذلك لأنّ الغرض في المثل تشبيه الخفى بالجلي، والغائب بالشاهد،
فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل ،وذلك في نهاية الاِيضاح،
ألا ترى أنّ الترغيب إذا وقع في الاِيمان مجرّداً عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مُثّل بالنور،
وإذا زهّد في الكفر بمجرّد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول، كما يتأكد إذا مثل بالظلمة،
وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الاِخبار بضعفه مجرّداً،
ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه أمثاله . انتهى
وكذلك الأمثال في الأحاديث النبوية .
- وقال محمد الشعراوي في خواطره :
حين يأتي الله بالمثَل ، قلنا أن المثَل هو الشِّبْهُ والشَّبَهُ ، شيء غامض على ذهن السامع وهو اما معنوي غيبي أو محسوس لم يعرفه من قبل ، فيجلي الشيء الغامض ويوضحه بمثل محسّ والشبه شيء معقول معلوم للسامع .
فاذا شاع هذا المثل وفشى بين الناس صار من الأمثال فيطلق على كل حال مشابه .
- ذكر الله في كتابه العزيز كلمة " الأمثال " في عشرة مواضع:
مرة في "الرعد و النحل والاسراء والنور والعنكبوت والحشر"،
ومرتان في "ابراهيم" ، و"الفرقان" .
وفي آية العنكبوت قال تعالى ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) .
طالع بالتفصيل والشرح لأمثال القرآن في موضوعنا ( الأمثال في القرآن ) في المدونة mahlawy.com
قوله ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) قال ابن كثير : وتقدير هذا المثل:
أن الله سبحانه، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا،
فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتَأنَّس بها ،فعرف الحلال والحرام، وعرف الخير والشر ،وأنس بكلمة لا اله الا الله، فأضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا و ناكح بها المسلمين،
فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي،
وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك،
فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد.
وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم.
وقال فخر الدين الرازي :
والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ،ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين.
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } [البقرة: 8] .
والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم،
ولم يستحضر ابن جرير، رحمه الله، هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ } [المنافقون: 3]؛
فلهذا وجه ابن جرير هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
قال: وصحّ ضرب مثل الجماعة، بالواحد : كما قال تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } [الجمعة: 5]،
- قوله تعالى: { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ } أي: ذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق، { لا يُبْصِرُونَ } لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها،
وهم مع ذلك { صُمٌّ } لا يسمعون خيرا { بُكْمٌ } لا يتكلمون بما ينفعهم ، { عُمْيٌ } في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
- قوله تعالى ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) الصَّمَمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الِانْسِدَادُ، يُقَالُ: قَنَاةٌ صَمَّاءُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُجَوَّفَةً. وَصَمَمْتُ الْقَارُورَةَ إِذَا سَدَدْتُهَا. فَالْأَصَمُّ: مَنِ انْسَدَّتْ خُرُوقُ مَسَامِعِهِ. وَالْأَبْكَمُ: الَّذِي لَا يَنْطِقُ وَلَا يَفْهَمُ، فَإِذَا فَهِمَ فَهُوَ الْأَخْرَسُ. وَقِيلَ: الْأَخْرَسُ وَالْأَبْكَمُ وَاحِدٌ. وَالْعَمَى: ذَهَابُ الْبَصَرِ.
(فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) قلت . أي فقدوا حواسهم الثلاثة السمع والنطق والابصار فلا يستطيعون الرجوع عما هم فيه من الظلام والضلالة والنفاق ،
أو يرجعون الى إسلامهم الأول .
( قلت .) لم يقل الله ( ذهب بالنار أو الضوء )، فلما قال ذهب (بنورهم )، قيد "النور" فأضاف اليه الضمير "هم" ،
كي يخبرنا بأن النار باقية يستفاد منها غيرهم بضوئها ، وأن دين الله الاسلام يمكث في الأرض ينتفع منه المؤمنون وعلى نور من ربهم .
وقوله ( استوقد ) معناه أن المنافقين طلبوا ايقاد النار وأنهم طلبوا الدخول في الاسلام ، ولكنهم ما لبثوا أن ارتدوا على أعقابهم
________
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب ونوع آخر من المنافقين،
وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكّون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم مثل الصيب في السماء .
والصيب: المطر ، نزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق.
{ وَرَعْدٌ } وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ } [المنافقون: 4]
والبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان؛
ولهذا قال: { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ }
أي: ولا يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بهم بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته .
- والصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد .
- { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ }.
يقول: يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين.
- { كلما أضاء لهم مشوا فيه وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا }
أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين .
وهكذا يكون المنافقون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم،
فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطْفَأ نوره تارة ويضيء له أخرى، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى.
ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين.
وقال الله في حق المؤمنين الصادقين : { يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ،
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التحريم: 8] .
و عن عبد الله بن مسعود، قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يرى نوره كالنخلة،
ومنهم من يرى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويَقِد مرة.
- قال ابن كثير: المؤمنون صنفان: مقربون وأبرار،
و الكافرون صنفان: دعاة ومقلدون،
والمنافقون-أيضًا-صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
("ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها : من إذا حَدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " ).
واستدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق. إما عَمَلي لهذا الحديث ،
أو اعتقادي كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء .
- قوله تعالى ( وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ )
قال منه قوله ( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ") [الكهف: 42]. وقَوْله تَعَالَى:" إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ " [يوسف: 66]
ذكره القرطبي ، وَقِيلَ:" مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ" أَيْ عَالِمٌ بِهِمْ. دَلِيلُهُ:" وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً " [الطلاق: 12].
والمعنى محيط ، بأنهم في علمه وقدرته وقبضته . أو هو مهلكهم .
- (قلت. ضرب الله تعالى مثلين لحال المنافقين مع ما أنزله للناس من قرآن ونور وهدى، ففي الأول: شبّه الوحي بالنار التي هي مادة للنور والهدى.وفي الثاني :شبه الوحي بالمطر الذي يصاحبه ظلمات ورعد وبرق، فالظلمات والرعد من شبهات ومتشابهات أو شدائد وابتلاءات لذلك قال( وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) وأما البرق حين يضيء لهم قال (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) أي حين يجدون لهم فيه منافع وغنائم.
فالله يشبه ما انزله من الوحي تارة بالنور وتارة يشبه بالماء وفي مواضع أخرى يقول في النور (يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) النساء ،
و في الماء قال (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) الرعد
______
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

- قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وتعالى: ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ )
" يَا" حَرْفُ نِدَاءٍ ، و" أَيُّ" مُنَادَى مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، لِأَنَّهُ مُنَادًى فِي اللَّفْظِ، وَ" هَا" لِلتَّنْبِيهِ. و" النَّاسُ" مَرْفُوعٌ صِفَةٌ لِأَيٍّ .
- قال القرطبي :وَاخْتُلِفَ مِنَ الْمُرَادِ بِالنَّاسِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: الْكُفَّارُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ" وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ" .
الثَّانِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ، فَيَكُونُ خِطَابُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاسْتِدَامَةِ الْعِبَادَةِ ، وَلِلْكَافِرِينَ بِابْتِدَائِهَا.
وقال الطبري : يأمر الله عز وجل الفريقين - اللذين أخبرَ الله عن أحدهما :أنه سواءٌ عليهم أأنذروا أم لم يُنذروا أنهم لا يؤمنون ، والثاني الذي في قلبه مرض وشك، وغيرهم من سائر خلقه المكلَّفين - بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة. لأنه جلّ ذكره هو خالقهم وخالقُ مَنْ قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالقُ أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم. فقال لهم جل ذكره: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفع ولا ضرّ .
وكان ابن عباس: يقول في معنى"اعبُدوا ربكم": وحِّدوا ربكم. وقد دللنا على أن معنى العبادة: الخضوعُ لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة والذي أراد ابن عباس -إن شاء الله- بقوله في تأويل قوله:"اعبدوا ربكم" وحِّدوه، أي أفردُوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه.
قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
أي لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم ، سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)
أي اعبدوا ربكم الذي خلقكم ،والذي هيأ وجعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً وقرارًا يُستقرّ عليها. يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره أسباب افراد العبادة للرب بأنه هو الذي خلق والذي له النعم العظيمة ( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) أي سقفا ،سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ .
(جَعَلَ) صنع وصَيَّرَ وعَمِلَ وهَيَّأَ ، ومنه ( إِنا جعلناه قرآناً عربيّاً ) صَيَّرناه ومن هذا قوله" وجعلني نبيّاً ".
وجَعَلَ بمعنى خَلَق، قال تعالى " وجَعَلْنا من الماء كل شيء حيٍّ "أَي خَلَقْنا من الماء.
وجعل بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول قد جعلت زيداً أَعلم الناس أَي قد وصفته بذلك وحكمت به .
و يقال جَعَلَ فلان يصنع كذا وكذا ، كقولك طَفِقَ .
(وأنزل لهم من السماء ماء) -والمراد به السحاب هاهنا-في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقًا لهم ولأنعامهم ،
ومنْ أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [غافر: 64]
ومضمونه: أنه هو الخالق الرازق مالك الأرض والسماء ، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره ؛
ولهذا قال: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )،
في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟
قال: " أن تجعل لله ندا، وهو خلقك " الحديث . وكذا حديث معاذ : "أتدري ما حق الله على عباده ؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا") الحديث .
قوله ( لِلَّهِ أَنْداداً ) أَيْ أَكْفَاءً وَأَمْثَالًا وَنُظَرَاءَ، وَاحِدُهَا نِدٌّ .
والندّ هو الضد والشبيه . ومعناهم هنا شركاء لله وأشباه .
- قوله " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" أي تعلمون أن هؤلاء الأنداد لم يخلقوا الأرض و لا السماء ولم يشاركوا في انزال الماء من السماء .
____________________
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)


قال الله جلّ ثناؤه: وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفارُ من أهل الكتابين، في شكٍّ -وهو الريب- مما نزّلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان: أنه من عندي، وأنّي الذي أنزلته إليه، فلم تُؤمنوا به ولم تصدّقوه فيما يقول، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثلُه في العربية إن كنتم صادقين في دعواكم وزعمكم أنّ محمدًا افتراه واختلقه، وأنه من عند غيرِي.
قوله{ شُهَدَاءَكُمْ } أعوانكم و الشاهدُ على الشيء لغيره بما يحقِّق دَعواه.
- (سورة) : والسُّورَةُ من سُوَرِ القرآن : قطعة من القرآن ذات سُور .
تَسَوَّرَ الحائطَ تَسَلَّقَه قال الله عز وجل (إِذ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ ). والسُّور عند العرب حائط المدينة ،وقال ( فضرب بينهم بسُورٍ له بابٌ باطِنُهُ فيه الرحمةُ )،
- وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن وقال في سورة سبحان: { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء: 88]
وقال في سورة هود: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [هود: 13]،
- قوله ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا )
"ولن": لنفي التأبيد أي: ولن تفعلوا ذلك أبدًا.
وهذه -أيضًا-معجزة أخرى، وهو أنه أخبر أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبدا وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وَأنَّى يَتَأتَّى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟!
ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى،
قال الله تعالى: { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود: 1]،
فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر
كما قال: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا } [الأنعام: 115] أي: صدقًا في الأخبار وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء،كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.
- ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ )
يقول الله تعالى: فاتقوا أن تَصْلَوُا النار بتكذيبكم رسولي بما جاءكم به من عندي أنه من وحيي وتنزيلي، بعدَ تبيُّنكم أنه كتابي ومن عندي، وقيام الحجة عليكم بأنه كلامي ووحيي، بعجزكم وعجز جميع خلقي عن أن يأتوا بمثله.
أما الوَقُود، بفتح الواو، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال: { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } [الجن: 15]
وقال تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [الأنبياء: 98] .
والمراد بالحجارة هاهنا ، قيل انها حجارة الكبريت لشدة لهيبها ونتنها ،وقيل انها حجارة الأصنام .
- قوله تعالى ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ )
ظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الْكَافِرِينَ لَا يَدْخُلُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْوَعِيدِ لِلْمُذْنِبِينَ وَبِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الشَّفَاعَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْحَقِّ مِنْ أَنَّ النَّارَ مَوْجُودَةٌ مَخْلُوقَةٌ، خِلَافًا لِلْمُبْتَدِعَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ حَتَّى الْآنَ.
لقوله: { أُعِدَّتْ } أي: أرصدت وهيئت ،وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: "تحاجت الجنة والنار"
ومنها: "استأذنت النار ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف"،
وحديث ابن مسعود رواه مسلم :قال ، سمعنا وَجْبَة (1) فقلنا ما هذه ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها ).
(1) الوَجْبة : السَّقطة مع الهَدَّة .
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ
وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)


لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عطف يذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء ، وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه أو حال السعداء ثم الأشقياء أو عكسه، وحاصله ذكر الشيء ومقابله ، و تجري من تحتها الأنهار أي من تحت أشجارها وغرفها.
- قَوْلُهُ: ( وَبَشِّرِ) التَّبْشِيرُ :الْإِخْبَارُ بِمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْبَشَرَةِ- وَهِيَ ظَاهِرُ الْجِلْدِ- لِتَغَيُّرِهَا بِأَوَّلِ خَبَرٍ يَرِدُ عَلَيْكَ،
ثُمَّ الْغَالِبُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي السُّرُورِ مُقَيَّدًا بِالْخَيْرِ الْمُبَشَّرِ بِهِ، مثل قولك ( أبشر بمستقبل مشرق) وَغَيْرَ مُقَيَّدٍ أَيْضًا. مثل قولك ( أبشر)
وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْغَمِّ وَالشَّرِّ إِلَّا مُقَيَّدًا مَنْصُوصًا عَلَى الشَّرِّ الْمُبَشَّرِ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى" فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ" [الانشقاق: 24].
وَيُقَالُ: بَشَرْتُهُ وَبَشَّرْتُهُ- مُخَفَّفٌ وَمُشَدَّدٌ- بِشَارَةً (بِكَسْرِ الْبَاءِ) فَأَبْشَرَ وَاسْتَبْشَرَ. وَبَشِرَ يَبْشُرُ إِذَا فَرِحَ.
وَ"وَجْهٌ بَشِيرٌ"، إِذَا كَانَ حَسَنًا بَيِّنَ الْبَشَارَةِ (بِفَتْحِ الْبَاءِ).
وَالْبُشْرَى: مَا يُعْطَاهُ الْمُبَشِّرُ. وَتَبَاشِيرُ الشَّيْءِ: أَوَّلُهُ. (مثل تباشير الصبح .)
- وَالْجَنَّاتُ: الْبَسَاتِينُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ جَنَّاتٌ لِأَنَّهَا تُجِنُّ مَنْ فِيهَا أَيْ تَسْتُرُهُ بِشَجَرِهَا، وَمِنْهُ: الْجَنِينُ وَالْجَنَّةُ.
- وَالنَّهْرُ: مَأْخُوذٌ مِنْ أنهرت، أي وسعت، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ).
مَعْنَاهُ: مَا وَسَّعَ الذَّبْحُ حَتَّى يَجْرِيَ الدَّمُ كَالنَّهْرِ ، وَجَمْعُ النَّهْرِ: نُهْرٌ وَأَنْهَارٌ.

- ( كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا )
وَمَعْنَى (مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ قَالُوا هَذَا الَّذِي وُعِدْنَا بِهِ فِي الدنيا.
والثاني- هذا الذي رزقنا في الدُّنْيَا، لِأَنَّ لَوْنَهَا يُشْبِهُ لَوْنَ ثِمَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا أَكَلُوا وَجَدُوا طَعْمَهُ غَيْرَ ذَلِكَ
وَقِيلَ:" مِنْ قَبْلُ" يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ .لِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ ثُمَّ يُرْزَقُونَ، فَإِذَا أُتُوا بِطَعَامٍ وَثِمَارٍ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَكَلُوا مِنْهَا، ثُمَّ أُتُوا مِنْهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ، يَعْنِي أُطْعِمْنَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، لِأَنَّ لَوْنَهُ يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَإِذَا أَكَلُوا مِنْهَا وَجَدُوا لَهَا طَعْمًا غَيْرَ طَعْمِ الْأَوَّلِ.
قال ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، وَلَيْسَ فِي الدنيا شيء مِمَّا فِي الْجَنَّةِ سِوَى الْأَسْمَاءِ، فَكَأَنَّهُمْ تَعَجَّبُوا لِمَا رَأَوْهُ مِنْ حُسْنِ الثَّمَرَةِ وَعِظَمِ خَلْقِهَا .
- ( وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
الخُلْد دوام البقاء في دار لا يخرج منها ،خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْداً وخُلوداً :بقي وأَقام
ودار الخُلْد :الآخرة، لبقاءِ أَهلها فيها ، والخُلْد اسم من أَسماءِ الجنة
و في صحيح البخاري ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
( يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا ؟
فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه . ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا ؟
فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح ، ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت .)
معنى ( فيشرئبون ) أي يمدون أعناقهم لينظروا .
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
11353597564_b7a7371ee2_c.jpg


إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ،
يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)


- في سبب نزولها قولان :
أحدهما ،أنه نزل قوله تعالى { ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } الحج 73
ونزل قوله { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } العنكبوت 41 ، فضحكت اليهود فنزلت هذه الآية .
والثاني، انه لما ضرب الله المثلين المتقدمين وهما قوله تعالى { كمثل الذي استوقد نارا } ، وقوله { أو كصيب من السماء }
قال المنافقون الله أجلّ وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال فنزلت هذه الآية .
- ومعنى الآية: أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي: لا يستنكف ولا يمتنع . والحياء الانقباض والامتناع .
وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلا ما، أيّ مثل كان، بأي شيء كان، صغيرًا كان أو كبيرًا.
و "ما" هاهنا للتقليل وتكون { بَعُوضَةً } منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربن ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء
أو تكون "ما" نكرة موصوفة ببعوضة .
قوله تعالى (يضرب مثلاً) أي يقيم ويجعل ويورد مثلاً أي شبهاً ووصفاً ، والضرب الإقامة والجَعْل، ومنه الضرائب وفي اللسان: أَضْرَبَ الرجلُ في البيت أَقام .
- قوله تعالى { فما فوقها } فيه قولان :
أحدهما أن معناه فما فوقها في الكبر .
والثاني فما فوقها في الصغر فيكون معناه فما دونها ،فيكون الفوق بمعنى دون وهو من الأضداد ، ومثله الصريم يقال الصبح والليل ، والناهل العطشان والريان ،والصارخ المغيث والمستغيث ، والهاجد المصلي بالليل والنائم ، والقرئ الحيض والطهر .

قال الرازي : اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ويدل عليه وجوه:
إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذرة: أجمع من ذرة، وأضبط من ذرة، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب: أجرأ من الذباب، وأخطأ من الذباب، وأطيش من الذباب،
وأما العجم فيدل عليه «كتاب كليلة ودمنة» وأمثاله،
وكذلك : أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء المستحقرة.
وأما قولهم: ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى، قلنا هذا جهل، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير ،
و الكل عنده بمنزلة واحدة ولم يكن الكبير أولى أن يضربه مثلا لعباده من الصغير، بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة، فإذا كان الأليق بها الذباب
والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل، فإذا أراد تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب المثل بالذباب، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح.
-قوله (فأما ) أما، حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء وهذا يفيد التأكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب قلت أما زيد فذاهب،
إذا ثبت هذا فنقول: إيراد الجملتين مصدرتين به إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق وذم عظيم للكافرين على ما قالوه وذكروه.
و"الحق": الثابت، الذي لا يسوغ إنكاره ،يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب، وحقت كلمة ربك، وثوب محقق محكم النسج.

- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا)
اخْتَلَفَ فِي" مَاذَا"، فَقِيلَ: بمعنى أي شي أَرَادَ اللَّهُ، أو : مَا الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ هَذَا: الْإِنْكَارُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً)
اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكى عنهم كفرهم واستحقارهم كلام الله بقوله: "ماذا أراد الله بهذا مثلا" ، أجاب عنه بقوله: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا"
فَالْمَعْنَى: قُلْ يُضِلُّ اللَّهُ بِهذا المثلِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، أَيْ يُوَفِّقُ وَيَخْذِلُ،

- ( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) أي الذين خرجوا عن طاعة الله .
وَالْفِسْقُ أَصْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِهَا، وَالْفَأْرَةُ مِنْ جُحْرِهَا.
وَالْفُوَيْسِقَةُ: الْفَأْرَةُ، وَفِي حَدِيثِ مسلم : (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحُدَيَّا).
وَفِي رِوَايَةٍ (الْعَقْرَبُ) مَكَانَ (الْحَيَّةِ) .
(الحديّا) تصغير حدأة .
(الغراب الأبقع) هو الذي في ظهره وبطنه بياض، فَأَطْلَقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا اسْمَ الْفِسْقِ لِأَذِيَّتِهَا.
وَفَسَقَ الرَّجُلُ يَفْسِقُ ويفسق فِسْقًا وَفُسُوقًا، أَيْ فَجَرَ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" فَمَعْنَاهُ خَرَجَ.
وَالْفِسْقُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ: الْخُرُوجُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَدْ يَقَعُ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِكُفْرٍ ، وَعَلَى من خرج بعصيان.
___________________
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

- صفات الفاسقين الذين أضلهم الله : الاعراض عن التمسك والالتزام بما عاهدوا الله عليه والكفر به ، وتقطيع الأرحام واشاعة الظلم والفحشاء في الأرض .
و النقض ضد الإبرام ومنه حلّ الشئ بعد عقده ،وينصرف النقض الى كل شئ بحسبه ،
فنقض البناء تفريق جمعه بعد إحكامه ، ونقض العهد الإعراض عن المقام على أحكامه .
- قوله تعالى ( عَهْدَ اللَّهِ ) .في هذا العهد ثلاثة أقوال :
احدها: أنه ما عهد الى أهل الكتاب من صفة محمد صلى الله عليه وسلم والوصية باتباعه .
قال الله تعالى " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي" [آل عمران: 81] أَيْ عَهْدِي.
والثاني: أنه ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا .
والثالث: أنه الذي أخذه عليهم حين استخرج ذرية آدم من ظهره ،
قال الله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) .(الأعراف 172).
ونحن وإن لم نتذكر ذلك العهد، فقد ثبت بخبر الصادق فيجب الايمان به .
- قوله ( مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) ابتداء من بعد إحكام توثيق العهد .
- وفي الذي" أمر الله أن يوصل " ، أنه عام يتضمن صلة الرحم والقرابة وكل دين الله .
- (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَجُورُونَ فِي الْأَفْعَالِ، إِذْ هِيَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِهِمْ، وهذا غاية الفساد.
- قال القرطبي :
فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَالْتِزَامَهُ وَكُلَّ عَهْدٍ جَائِزٍ أَلْزَمَهُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ نَقْضُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ بَيْنَ مُسْلِمٍ أَمْ غَيْرِهِ، لِذَمِّ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ. وقد قال:" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" [المائدة: 1]
وَقَدْ قَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:" وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ" (الأنفال: 85 )
فَنَهَاهُ عَنِ الْغَدْرِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَقْضِ الْعَهْدِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي موضعه إن شاء الله تعالى .
- ( ما بين العهد والميثاق )
الآيات : مثل قوله (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا)
و (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )
و (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ) .
وفي لسان العرب :
( عهد ) العَهْدُ كل ما عُوهِدَ اللَّهُ عليه وكلُّ ما بين العبادِ من المواثِيقِ فهو عَهْدٌ وأَمْرُ اليتيم من العهدِ وكذلك كلُّ ما أَمَرَ الله به في هذه الآيات ونَهى عنه .
وفي حديث الدُّعاءِ "وأَنا على عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما استَطَعْتُ" ،
أَي أَنا مُقِيمٌ على ما عاهَدْتُك عليه من الإِيمان بك والإِقرار بوَحْدانيَّتِك لا أَزول عنه .
ويقال عهِد إِلي في كذا أَي أَوصاني ومنه حديث عليّ كرم الله وجهه عَهِدَ إِليّ النبيُّ الأُمّيُّ أَي أَوْصَى
ومنه قوله عز وجل " أَلم أَعْهَدْ إِليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان "، يعني الوصيةَ .
والعَهْدُ المَوْثِقُ واليمين يحلف بها الرجل .
قال أَبو الهيثم العهْدُ جمع العُهْدَةِ وهو الميثاق واليمين التي تستوثقُ بها ممن يعاهدُك .
والمُعَاهَدُ الذِّمِّيُّ وأَهلُ العهدِ أَهل الذمّة من أهل الكتاب .
وفي باب ( وثق ) : والمُواثقة: المعاهدة
ومنه قوله تعالى ( وميثاقَه الذي واثَقكم به )
وفي حديث كعب بن مالك (ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تَواثَقْنا على الإسلام )أي تحالفنا وتعاهدنا .
والتَّواثُق تفاعُل منه، والمِيثاقُ :العهد
 

Admin

Administrator
طاقم الإدارة
إنضم
نوفمبر 16, 2021
المشاركات
279
مستوى التفاعل
28
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)
- قال ابن كثير :
يقول الله تعالى محتجًا على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ } أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره!
{ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } أي: قد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود،
كما قال تعالى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ } [الطور: 35، 36]،
وقال { هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } .
- وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه:
{ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } [غافر: 11]
قال: هي التي في البقرة: { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } .
- عن ابن عباس في قوله تعالى: { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } قال: " كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم ، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة،
ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى،
فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } ".
و قال ابن كثير : وعبّر عن الحال قبل الوجود بالموت، بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال في الأصنام: { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ } [النحل: 21]،
وقال { وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } [يس: 33] .
_______________
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ في (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) : ليس في خبرها مَا يَقْتَضِي حَظْرًا وَلَا إِبَاحَةَ وَلَا وَقْفًا ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذِكْرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَعْرِضِ الدَّلَالَةِ وَالتَّنْبِيهِ لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ.
- قال ابن كثير : لما ذكر تعالى دلالةً مِنْ خَلْقهم وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه مِنْ خَلْق السماوات والأرض،
وتفصيل هذه الآية في قوله : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }
[فصلت: 9-12] .
ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك .
و قال ابن كثير : هذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة:
أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا } [النازعات: 27-31]
قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض.
وفي صحيح البخاري : أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا، وقد قررنا ذلك في تفسير سورة النازعات،
وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله: { وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } [النازعات: 30-32] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما اكتملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض،
فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

- قَوْلُهُ تَعَالَى:" ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّمَاءِ " .
الِاسْتِوَاءُ فِي اللُّغَةِ : الِارْتِفَاعُ وَالْعُلُوُّ عَلَى الشَّيْءِ،
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ" [المؤمنون: 28]، وقال" لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ" [الزخرف: 13] .
وَاسْتَوَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِي وَاسْتَوَتِ الطَّيْرُ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِي، بِمَعْنَى عَلَا.
قال القرطبي: وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، وَالنَّاسُ فِيهَا وَفِيمَا شَاكَلَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
قَالَ بَعْضُهُمْ: نَقْرَؤُهَا وَنُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نُفَسِّرُهَا، وَذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ،
وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:" الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى " [طه: 5]
قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَأَرَاكَ رَجُلَ سَوْءٍ! أَخْرِجُوهُ.
وقال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة، وهذا قول المشبهة.
وقال بعضهم: نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها.

- قال ابن قدامة المقدسي في " لمعة الاعتقاد " :
" وكل ما جاء في القرآن أو صحّ عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالردّ والتأويل والتشبيه والتمثيل.
وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا، وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]
وقال في ذمّ مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}
فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ."
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: " آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله".