مقدمة تفسير الطبرى

علي

عضو
‌‌خُطْبَةُ كِتَابِ " جامع البيان عن تأويل آي القرآن "

قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في سنة ست وثلاثمائة قال:
الحمد لله الذي حجبت الألباب بدائع حكمه، وخصمت العقول لطائف حججه، وقطعت عذر الملحدين عجائب صنعه، وهتف في أسماع العالمين ألسن أدلته، شاهدة أنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا عدل له معادل، ولا مثل له مماثل، ولا شريك له مظاهر، ولا ولد له ولا والد، ولم يكن له صاحبة ولا كفوا أحد، وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة، والعزيز الذي ذلت لعزته الملوك الأعزة، وخشعت لمهابة سطوته ذوو المهابة، وأذعن له جميع الخلق بالطاعة طوعا وكرها، كما قال الله عز وجل: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال}

فكل موجود إلى وحدانيته داع، وكل محسوس إلى ربوبيته هاد، بما وسمهم به من آثار الصنعة، من نقص وزيادة، وعجز وحاجة، وتصرف في عاهات عارضة، ومقارنة أحداث لازمة، لتكون له الحجة البالغة.
ثم أردف ما شهدت به من ذلك أدلته، وأكد ما استنارت في القلوب منه بهجته، برسل ابتعثهم إلى من يشاء من عباده، دعاة إلى ما اتضحت لديهم صحته، وثبتت في العقول حجته؛ {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] ، وليذكر أولو النهى والحلم؛ فأمدهم بعونه، وأبانهم من سائر خلقه، بما دل به على صدقهم من الأدلة، وأيدهم به من الحجج البالغة، والآي المعجزة؛ لئلا يقول القائل فيهم: {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون، ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون} [المؤمنون: 34]،
فجعلهم سفراء بينه وبين خلقه، وأمناءه على وحيه، واختصهم بفضله، واصطفاهم برسالته، ثم جعلهم فيما خصهم به من مواهبه، ومن به عليهم من كراماته، مراتب مختلفة، ومنازل متفرقة، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، متفاضلات متباينات، فكرم بعضهم بالتكليم والنجوى، وأيد بعضهم بروح القدس، وخصه بإحياء الموتى، وإبراء أولي العاهة والعمى.

وفضل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم من الدرجات بالعليا، ومن المراتب بالعظمى، فحباه من أقسام كرامته بالقسم الأفضل، وخصه من درجات النبوة بالحظ الأجزل، ومن الأتباع والأصحاب بالنصيب الأوفر. وابتعثه بالدعوة التامة، والرسالة العامة، وحاطه وحيدا، وعصمه فريدا، من كل جبار عاند، وكل شيطان مارد، حتى أظهر به الدين، وأوضح به السبيل، وأنهج به معالم الحق، ومحق به منار الشرك، وزهق به الباطل، واضمحل به الضلال وخدع الشيطان، وعبادة الأصنام والأوثان، مؤيدا بدلالة على الأيام باقية، وعلى الدهور والأزمان ثابتة، وعلى ممر الشهور والسنين دائمة، يزداد ضياؤها على كر الدهور إشراقا، وعلى مر الليالي والأيام ائتلاقا، تخصيصا من الله له بها، دون سائر رسله، الذين قهرتهم الجبابرة، واستذلتهم الأمم الفاجرة، فعفت بعدهم منهم الآثار، وأخملت ذكرهم الليالي والأيام، ودون من كان منهم مرسلا إلى أمة دون أمة، وخاصة دون عامة، وجماعة دون كافة.

فالحمد لله الذي كرمنا بتصديقه، وشرفنا باتباعه، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به، وبما دعا إليه وجاء به، صلى الله عليه وعلى آله وسلم أزكى صلواته، وأفضل سلامه، وأتم تحياته. أما بعد، فإن من جسيم ما خص الله به أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الفضيلة، وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظه ما حفظ جل ذكره وتقدست أسماؤه عليهم من وحيه وتنزيله، الذي جعله على
حقيقة نبوة نبيهم صلى الله عليه وسلم دلالة، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة، وحجة بالغة، أبانه به من كل كاذب ومفتر،
وفصل به بينهم وبين كل جاحد وملحد، وفرق به بينهم وبين كل كافر ومشرك، الذي لو اجتمع جميع من بين أقطارها، من جنها وإنسها، وصغيرها وكبيرها، على أن يأتوا بسورة من مثله، لم يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. فجعله لهم في دجى الظلم نورا ساطعا، وفي سدف الشبه شهابا لامعا، وفي مضلة المسالك دليلا هاديا، وإلى سبل النجاة والحق حاديا، {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 16] .
حرسه بعين منه لا تنام، وحاطه بركن منه لا يضام، لا تهي على الأيام دعائمه، ولا تبيد على طول الأزمان معالمه، ولا يجور عن قصد المحجة تابعه، ولا يضل عن سبل الهدى مصاحبه. من اتبعه فاز وهدى، ومن حاد عنه ضل وغوى. فهو موئلهم الذي إليه عند الاختلاف يئلون، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعتقلون، وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون، وفصل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون، وعن الرضا به يصدرون، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون.

اللهم فوفقنا لإصابة صواب القول في محكمه ومتشابهه، وحلاله وحرامه وعامه وخاصه، ومجمله ومفسره، وناسخه ومنسوخه، وظاهره وباطنه، وتأويل آيه، وتفسير مشكله، وألهمنا التمسك به، والاعتصام بمحكمه، والثبات على التسليم لمتشابهه، وأوزعنا الشكر على ما أنعمت به علينا من حفظه، والعلم بحدوده، إنك سميع الدعاء، قريب الإجابة. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.

اعلموا عباد الله، رحمكم الله، أن أحق ما صرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضا، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وأن أجمع ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسنى الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

ونحن في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه ـ: منشئون - إن شاء الله ذلك - كتابا مستوعبا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيا، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه الأمة، واختلافها فيما اختلفت فيه منه، ومبينو علل كل مذهب من مذاهبهم، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه. والله نسأل عونه وتوفيقه لما يقرب من محابه، ويبعد من مساخطه.
وصلى الله على صفوته من خلقه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

yasma

Moderator
جزاكم الله خير يا رب العالمين
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
أعلى